ابراهيم بن عمر البقاعي
589
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
قوله : فَآمَنَتْ أي به طائِفَةٌ أي ناس فيهم أهلية الاستدارة لما لهم من الكثرة مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ أي قومه وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ أي منهم ، وأصل الطائفة : القطعة من الشيء فَأَيَّدْنَا أي قوينا بعد رفع عيسى عليه الصلاة والسّلام الَّذِينَ آمَنُوا أي الذين أقروا بالإيمان المخلص منهم وغيره في القول والفعل وشددنا قلوبهم عَلى عَدُوِّهِمْ الذين عادوهم لأجل إيمانهم . ولما كان الظفر بالمحبوب أحب ما يكون إذا كان أول النهار ، تسبب عن تأييده قوله : فَأَصْبَحُوا أي صاروا بعد ما كانوا فيه من الذل ظاهِرِينَ * أي عالين غالبين قاهرين في أقوالهم وأفعالهم لا يخافون أحدا إلا اللّه ولا يستخفون منه ، فالتأييد تارة يكون بالعلم وتارة بالفعل عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [ النجم : 5 ] فصار علمه في غاية الإحكام وتبعته قوة هي في منتهى التمام ، لأنه ناشىء عن علم مستفاد من قوة ، وإلا لقال : علمه كثير العلم . قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [ النمل : 40 ] قوة مستفادة من علم ، والظاهر كما هو ظاهر قوله تعالى : جاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [ آل عمران : 55 ] وغيرها أن تأييد المؤمنين به كان بعد رفعه بيسير حين ظهر الحواريون وانبثوا في البلاد يدعون إلى اللّه بما آتاهم من الآيات ، فاتبعهم الناس ، فلما تمادى الزمان ومات الحواريون رضي اللّه عنهم افترق الناس ودب إليهم الفساد ، فغلب أهل الباطل وضعف أهل الحق حتى كانوا عند بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عدما أو في حكم العدم ، - كما دلت عليه قصة سلمان الفارسي رضي اللّه عنه ، فقد رجع آخر السورة كما ترى بما وقع من التنزه عما يوهمه علو الكفرة من النقص بنصر أوليائه وقسر أعدائه ، ومن الأمر مما أخبر أولها أنه يحبه من القتال في سبيله حثا عليه وتشويقا إليه - على أولها ، واتصل بما بشر به من آمن ولو على أدنى وجوه الإيمان من العز موصلها بمفصلها ، بما أزيل من الأسباب الحاملة له على المداراة ، والأمور التي أوقعته في المماشاة مع الكفار والمجاراة ، فأوجب ذلك رسوخ الإيمان ، وحصول الإتقان ، المقتضي للتنزيه بالفعل عن كل شوب نقصان ، واللّه الموفق للصواب وعليه التكلان .